الجمعة، 5 أكتوبر، 2012

أريد صديقي حيا..!!

بمناسبة حملة التدوين الرائعة ضد الفساد في بلدي، و بالتحديد في موضوع: ضد نهب المعادن و تأثيرات النشاط المنجمي على البيئةو الحياة، أهدي هذه التدوينة إلى روح صديقي  المرحوم: اعل ولد الناه الذي قضى بسبب سموم السياند في أكجوجت في أواخر 2005.

1)
جمعتنا صداقة رائعة..
تجاوزت ـ رغم قصر مدتها ـ حدود العمر و فوارقه، و لم تعترف يوما بالمصالح المتبادلة.. كان وقودها تواضعه، و ولعي بمعرفة و استكشاف دواخل النفس البشرية..
كانت صداقة "بلا معنى" عند الكثيرين: فروق السن بيننا و الاهتمامات و المجال و أشياء أخرى كانت تقلل من فرص تفهمها من طرف الآخرين.. لكنها استمرت لأن صديقي كان رائعا بكل المقاييس.
أقضي ساعات معه أمام المنزل نتبادل أحاديث ممتعة، ندير كؤوس الشاي، يطلعني على "خلاصات"مهمة توصل إليها في الحياة، و أستعرض أمامه آمالا عراضا لديَ في تغيير الحياة..
بمرور الوقت بدأت أشعر بأنني فرد من عائلته و أنني أخ لبناته..
2)
تمر الأيام سريعة .. و أذهب لقضاء عطلتي بعيدا عن كل الاتصالات، و أعود لأسأل عنه فيقال لي بأنه رحل عن عالمنا!!
بجنون أتساءل: ما به؟ اكان مريضا؟
ـ لا.. لقد تسمم!!
- كيف؟
- لا نعلم.. تبدو قصته محاطة بغموض شديد.. هناك روايات متعددة.. هناك تعتيم مشدد حول ملابسات وفاته..
وتدور أسئلة برأسي مشبوبة بألم و أسى و حزن كبير: هل تألم بشدة؟ كيف كان موته؟ سريعا لم يشعر بشيئ أم بطيئا متألما مع كل قطعة تتساقط من جسمه؟ من المسئول عن موته؟ هل كان إهمالا منه جعله يستنشق مادة السيانيد أو يلمسها، أم عجزا في نظم سلامة شركة MCM؟
أعرف أن لصديقي المرحوم خبرة طويلة بالعمل المنجمي، و أنه عمل لعقدين في هذا المجال، اسألوا عنه المدير الحالي لــ MCM و من الصعب أن لا يتخذ إجراءات الحيطة و الحذر، أهو القدر إذن؟
أم أن نظم سلامة الشركة Safety خذلتها بعد أن تباهت بمليون ساعة من العمل دون حادث شغل واحد؟!!
3)
لا إجابات مقنعة!!
و لا أحد يعرف يقينا ما حصل للمرحوم، فقط هناك شائعات تنهشنا..!!
عمدت MCM إلى تشغيل فرد من عائلته "امتنانا" منها للمرحوم و خصصت منزلا للأسرة المنكوية،  هناك من يعتقد بأن هذا نوع من الاحتواء لهذه الأسرة الضعيفة التي تتألف من ام و بنات صغيرات في السن و تغطية لجرم الشركة.
إن الشائعات التي لم تحاول الشركة أن تضع لها حدا يوما، و المصي المضبب لصديقي المرحوم يدفع للتساؤل عن المخاطر التي ينطوي عليها وجود هذه  الشركة ، خصوصا و أن هناك أصواتا متعددة ترتفع بين الحين و الآخر منذرة بمخاطر بيئية بسبب أنشطة الشركة، لكن هذه الأصوات سرعان ما تخفت و تتحول إلى مدافعة عن الشركة و نشاطها المثير للجدل، و حتى عندما استدعت الشركة مكتب دراسات اجنبي لتقييم الوضع البيئي للمنطقة لم يكن تقريره مقنعا لأنه من وجهة نظر فنية يعتمد أي تقييم على الحالة البيئية للمنطقة قبل بدء نشاط الشركة و هو ما لم يتم مطلقا.
لكن مهما اختلفت الآراء في تقييم الوضع البيئي للمنطقة بعد مقدم الشركة فإن هناك اتفاق من الجميع على خطر مادة السيانيد التي هي سم قاتل  يقوم بعمل رابطة قوية جدا مع الحديد الموجود في هيموجلوبين الدم في كرات الدم الحمراء
فيفقدها القدرة على نقل الأكسجين و يؤدي إلي الموت الفوري   ،  و تستخم هذه المادة في تصفية المعدن، و من الجدير بالملاحظة ان ليست هناك مطالبات قوية بإيجاد نظم استغلال بديلة لا تعتمد على هذه المادة الخطرة و من المثير للانتباه أن نظماسابقة اعتمدتها شركات معدنية في العقود الماضية كانت أكثر أمنا و محافظة على البيئة (على سبيل المثال هناك نظام الأفران العالية الحرارة في عهد سوميما)  هذا في الوقت الذي تطور الوعي البيئي في العالم فلماذا تكون موريتانا استثناء؟
لا شك أن فساد الحكومات في هذا البلد يجعلها تهتم بالعائدات الخاصة على جيوب المسئولين و الحكام فقط،  و بالتأكيد فإن جشع شركات التعدين يدفعهم في ظل تعاملهم مع حكومات فاسدة إلى عدم الاهتمام و العناية بمراعاة نظم استغلالها للمناجم للبيئة و إجراءات السلامة، فالسيانيد مادة قاتلة و لا تتحلل إلا بعد مرور عقود، لكنها رخيصة!!
من هنا يتحت على أية حكومة تحترم نفسها و تقدس أرواح مواطنيها أن لا تتنازل عن لعب دوها الطبيعي في حماية البلد و أبنائه و حيواناته و أشجاره و ثرواته، و إذا كان لا بد من التنازل عن ثرواتنا فليكن.. و لكن احمواالنفوس البشرية التي تعمل حاليا وسط بركان خامد يمكن أن ينفجر في أي وقت ليحصد الأرواح دون رحمة كما حصل مع صديقي المرحوم.
لا يعزيني أن تحظر مادة السيانيد حتى يكبر ابن صديقي الوحيد و الذي ولد بعد وفاته غير مهدد بأنه أثناء لعبه يمكن أن يلمس أو يستنشق المادة الملعونة و يموت في الحال!!
لا يعزيني أن تكشف الشركة عن حقيقة وفاة صديقي..!!
لا يعزيني أن تأخذ موريتانيا نسبة أكبر من عائدات النحاس و الذهب..!!
لا يعزيني إلا ان يعود صديقي حيا.. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق