السبت، 15 ديسمبر 2012

الفساد في موريتانيا .. أخطر مما نتخيل

(مشاركة في إطار حملة حركة 25 فبراير ضد الفساد)

قبل أيام من تخليد اليوم العالمي لمكافحة الفساد أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها السنوي عن وضع الفساد في دول العالم، و بين التقرير أن بلدنا، موريتانيا تقبع في المركز 123 عالميا (26 افريقيا) راجع تقرير المنظمة على الرابط التالي:
و يبدو أن التقرير يقر بتحسن مركز موريتانيا التي أحرزت 32 نقطة من 100 و ذلك بــ21 مركزا بالنسبة للسنة المنصرمة، لكنه لا يخرجها من دائرة دول العالم الأكثر فسادا ( انظر خريطة توزيع كثافة الفساد في العالم الصادرة عن نفس المنظمة )
و يبدو لأول وهلة أن الأمور تتحسن في هذا المجال في بلادنا، و لكن ـ و كما يقال: إذا عرف السبب بطل العجب ـ فلذلك تفسير و هو أن تحسن مركز موريتانيا حسب منظمة الشفافية الدولية يتعلق بدراسة مؤشرات تتعلق أساسا بما يطلق عليه " الفساد الصغير" أي الرشوة في أوساط الإدارة المحلية و المكاتب الحكومية و صغار الموظفين ( راجع التقرير السابق من اجل الاطلاع على المعايير المتبعة فيه ).
إلا أن جوانب الفساد التي لم يرصدها التقييم ـ الذي هو تقديري و تقريبي في النهاية ـ تبقى الأخطر و الأشد فتكا: إنه يتعلق بــ"الفساد الكبير" الذي يمارس على نطاق أعلى مستويات الدولة، و في دائرة ضيقة، لكنه مدمر بكل ما في الكلمة من معاني.
يتعين في البداية من أجل تقييم حقيقي لوضعية الفساد في موريتانيا معاينة سريعة للإجراءات القانونية التي تضمن الشفافية، و عدم الاكتفاء بالوقوف عند مراقبة سلوك صغار المرتشين و المفسدين، فما هي هذه الإجراءات؟ و هل هي محترمة في بلدنا؟
إن تلك الإجراءات ـ نظريا ـ عديدة و متنوعة، تبدأ بإجراء تصريح الموظفين السامين عن ممتلكاتهم عند تسلمهم لوظائفهم، و يدخل في هذا الإطار رئيس الجمهورية و الوزراء و بعض الموظفين السامين، فهل حصل ذلك؟
ليس تماما، فالواقع أن ولد عبد العزيز بخلاف سابقه "سيد ولد الشيخ عبد الله" ماطل في التصريح عن ممتلكاته سنتين، ثم صرح بشكل سري عن ممتلكاته، فهل يعني ذلك احترام مسطرة الإجراءات؟ و ما الذي يمكن أن يجنيه رئيس نظام في بلد من العالم الثالث يؤله الحاكم من أموال بطرق غير شرعية؟
يحق لنا أن نتساءل في ضوء الأنباء التي تشير إلى أن ولد عبد العزيز ـ في الوقت الحالي ـ من أغنى أغنياء البلاد: عمارات في الخارج، شركات تدار من طرف مقربين منه، تحويلات مالية ضخمة للسفارات الموريتانية في الخارج  ثم ما تلبث أن يعاد تحويلها لحسابات خارجية مجهولة بعد فترة وجيزة !!.. و القائمة تطول..
ألا يحق لنا أن نعتقد بوجود سوء نية في الموضوع خصوصا و أن رؤساء دول في المنطقة صرحوا بممتلكاتهم عند أول يوم من تسلمهم لسلطاتهم (الرئيس السنغالي ماكي سال مثالا)؟
تظل الأجهزة الرقابية الفاعلة في الدولة ضرورة أساسية من ضرورات الشفافية، و يمكن بمقارنة بسيطة أن نفهم حجم التراجع بل و الشلل الذي أصاب هذه الأجهزة في العهد الحالي مقارنة بعهود سابقة، فأين تقارير محكمة الحسابات التي توقفت فيما يبدو في العام 2006 عن إصدارها؟و أين أنشطة مراقبي الدولة الذين أصبح ذكرهم خاملا إلا في المهرجانات السياسية؟ (أقصد هنا ـ لمن لم يفهم ـ السيدة عيش فال بنت ميشال فرجس المفتشة العامة للدولة و مسئولة النساء في الحزب الحاكم و التي قادت بعثة حزب الاتحاد من أجل الجمهورية إلى ولاية تكانت في التاسع من مارس هذه السنة إذا كنتم تتذكرون!!) و يأتي هذا الخمول في عهد يرفع سدنته شعار "محاربة الفساد" فهل تبخر الفساد و شرب الناس حبوب الخير ـ كما في الفيلم الشهير ـ حتى يختفي أي نشاط لأجهزة الرقابة المالية في الدولة؟
إن حكومة تحارب الفساد يجب أن تحترم الإجراءات القانونية التي تكافحه !
ثم أين رموز الإصلاح إذا كانت هذه الحكومة تحارب الفساد و المفسدين فعلا؟ أين النزهاء الشرفاء الذين يشكلون هذه الحكومة أو الذين يسيرون مرافقها الحيوية؟
هل هو ولد عبد العزيز؟!!
أم هو قائد أركان الدرك؟!!
أم هو رئيس المجلس الدستوري؟!!
أم هو رئيس المدرسة الوطنية للإدارة؟!!
أم هم الضباط السامون الذين يقال إنهم يتلقون نسبا و عمولات من الصفقات و رشاوى الشركات الأجنبية؟!!
حتما سيسخر منا أي كان إذا قدمنا له هذه الوجوه قائلا: أنتم لا تحاربون الفساد، أنتم تكرسونه.

كيف يمكن أن تدعي حكومة محاربة الفساد و قد عقدت في عهدها  صفقات تراضي بقيمة 25 مليارأوقية؟
و كيف نفهم هذا السعي المحموم لمنح  266 رخصة للتنقيب في القطاع المعدني في ظرف قياسي ( يناير 2010 ـ مارس 2012) بزيادة تصل إلى 540% بالمقارنة مع السنوات الثلاث قبلها ؟
و من ضمن المستفيدين من تلك الصفقات و الرخص مقربون من رأس النظام و شركات صورية أو وهمية، أفلا يعني ذلك أن هناك استنزافا خطيرا لمقدرات بلادنا لصالح دائرة ضيقة جدا من الجشعين و المصالح الخاصة؟
ما ذا تفعل حكومة غير الفساد و التلاعب بأموال الشعب الموريتاني إذا كانت تتلقى أموالا ضخمة ( نتذكر هنا 50 مليون دولار هبة من السعودية لدعم الجيش، 197 مليون دولار من ليبيا..) ثم لا تظهر في أي من بنود الميزانية؟!!
أين 800 مليون أوقية اختفت من سونمكس و لم نعرف من المسئول عن اختفائها؟
أين صرفت ميزانية ما يسمى "أمل" التي تجاوزت 45 مليار أوقية؟
حتما لم يستفد منها المواطنون كلها، بل و لا القليل الأقل منها.. فأين هي إن لم تكن في جيوب المفسدين؟!!
و الأخطر من كل هذا، الفساد "الاستراتيجي" المتمثل في صفقات مضرة كصفقة الصيد مع شركة لا وجود لها في الصين "هوندنغ" و التي رهنت مصادرنا البحرية 20 سنة لشركة واحدة في مقابل زهيد (أو هكذا يبدو ظاهريا) فلا فرص العمل التي يتشدق بأنها ستخلق، و لا بقايا مصنع استهلك لمدة 20 سنة سيبقى لموريتانيا (بموجب الاتفاقية) يبرر هذا السخاء الذي يتندر به الشعراء.. لا بد أن هناك شيئا تحت الطاولة !!
 تبقى الشركات المعدنية الأجنبية العاملة في البلاد واحدة من أبرز مظاهر الفساد، حيث أن عمولاتها المغرية كفيلة بإسكات الحكومة "المحاربة للفساد" عن أي تجاوزات تقوم بها، و ما أكثرها من تجاوزات يضيع فيها حق المواطن العامل فلا يجد نصيرا له، و تنهب فيها ثروات البلاد بدون حسيب أو رقيب (لعل استقالة مدير الشرطة المعدنية قبل أسبوع أبلغ دليل على غياب الرقابة على تلك الشركات) و الكل يعرف أن الشرطة المعدنية لم تقم بأي جولة استطلاعية لمنجم النحاس في أكجوجت منذ ما يناهز السنة، فمن سيصدق دعوى أننا نعرف بالضبط ما يدور هناك؟
لك الله يا وطني..
منذ البدء.. تنهش لحمك الوحوش الفاسدة.. لا تعليم.. لا صحة.. لا ماء.. لا بنى تحية.. بعد نصف قرن!!
كلما جاءت أمة لعنت أختها.. جئنا للإصلاح و العدل و الإنقاذ و الخلاص..
و في كل مرة تحكم أوليغارسيا قبضتها على ثروات الأمة، و تتقاسمها ذات ليل بهيم، تكمم الأفواه، و تخوف الآمنين، و تغري الآثمين بفتات من كعكتها المدنسة..
و نحن.. نحن تائهون.. تنطلي علينا الحيلة، و ننخدع في كل مرة، و نمشي خلف أصحاب الأحذية الخشنة الذين لم تشرئب أعناقهم إلا لنعيم القصور، و فيء الواحات، و بريق الذهب، ضاربين عرض الحائط بآلام المتلوين من ألم الكلى إثر المياه الآسنة، سارقي البراءة من عيون أطفالنا، قاتلي أحلام آلاف الشباب الحالمين بغد أفضل..
فمتى .. متى ننتدب الرجال الشجعان منا لقتل وحش "الفساد"؟ !!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق