الجمعة، 9 ديسمبر، 2016

.أحلام مؤجلة.. في الشارع

  • خرج مئات من الشباب الموريتاني لتخليد ذكرى الخامس و العشرين من فبراير و ميدانهم الشارع، المكان الوحيد الذي استطاع أن يستوعب حجم الآمال الكبيرة التي تراوده في حياة أفضل، و ربما هو المستقبل الذي ينتظر الأجيال القادمة، بعدما طرقوا كل الأبواب..
في ظل جهل تام أو تجاهل لتطلعاته المشروعة في الكرامة و الحرية و العدالة و الأمل..
و اسمحوا لي فقد تبدو تلك العبارات مطروقة و مبهمة للكثيرين.. و لكنها تعني الكثير للذين نزلوا للشارع، إنها تتراءى لهم من بعيد كحلم طال انتظاره في وطن ينكره قادته، و سياسيوه، و مثقفوه و سماسرته على مدى عقود..
نزل الشباب للشارع و هم في نشوة حلم يريدون تحقيقه.. و لكنهم لم يستطيعوا أن يواصلوا فيه لأن النظام استكثر عليهم ذلك الحلم، لأنه قرر أن يظل "صاحيا" لنفسه فحسب، و نشر قوات من الشرطة و الحرس و الدرك، و الكلاب.. و لأنه قرر أيضا أن لا تتجاوز نظرته أقدامه الوسخة بأدران الفساد.
نزل الشباب و هم يحلمون أن يجسدوا "وطنا" رسموه على كراساتهم أيام الدراسة: هلالا و نجمة تشعر بالاعتزاز و الانتماء.. و خريطة تبرز منها نخلة و سنبلة تسقى بعرق شفاف..
نزل الشباب و ذاكرتهم منعشة بآمال رافقتهم طويلا خلال مسيرتهم الدراسية حيث تطلعوا بكل عزيمة لأن يكونوا رجالا و نساء مرموقين: يبنون عقولا للوطن في الفصول، أو يخففون من أنات المرضى، أو يشيدون للبسطاء الطيبين مرافق تسترهم و تجعلهم في مصاف البشر المكرمين....
نزل الشباب و مشهد خاص بكل واحد منهم عن أبناء و أحفاد يحققون ما لم يصلوا إليه من عزة و كرامة و انطلاق.. في ظروف أحسن أضعاف المرات..
نزل الشباب و هم يحاولون أن ينسوا مشاهد اغتيال الوطن، و تخليه عن جنوده، و مدرسيه، و أطبائه، و محاميه، و قضاته و قبل ذلك تخليه عن فقرائه..
أصروا على تجسيد أحلامهم المؤجلة، و ما أبقى الدهر من صور جميلة رسموها و تخيلوها و عشقوها لوطنهم.. بريشة الهتافات التي تقول: لا..
أصروا على محو الصورة المظلمة بممحاة التظاهر السلمي: الفساد، الظلم، التجهيل، التفقير، التهميش..
أعرف أن الكثيرين لم يلتحقوا بهم لأنهم يخافون على الفتات الذي يلقى إليهم..
و الكثيرون لم يفهموا لماذا خرجوا لأنهم تعودوا اليأس من تأجيل أحلامهم..
و الكثيرون لن يستوعبوا تحركهم لأنهم لا يستطيعون أن يضحوا بدقيقة واحدة خارج إطار تحصيل لقمة العيش التي تضمر يوما بعد يوم..
قلة قليلة شعرت بأن هذا النزول للشارع يهددهم بالخطر، لأنهم هم المسئولون عن تأجيل أحلام كل موريتاني في الكرامة و الحرية و العدالة و الأمل.. و رصد هؤلاء مقدرات موريتانيا لقمع هذا التحرك السلمي، أو للضغط على الذين نزلوا، مثلما تعودوا دائما حيث يشغلون أنفسهم دائما بحروبهم الخاصة للبقاء..
كان الإصرار على الاستمرار في الحلم يشع من عيني محمد عبدو و سيد الطيب ولد المجتبى و التار ولد احمده و محمد محمود ولد المجتبى.. "بعض الشباب الذين كانوا هناك".. و لدى الجميع ممن أصر على التظاهر رغم الآليات و الحشود و الكلاب المدربة على العض.. رغم دخان مسيلات الدموع الذي يحد من الرؤية، لكنه لا يمكن أن يمنع هؤلاء من رؤية أحلامهم المضيعة.. لقد هزأ هؤلاء من آليات القمع و من "دخان الدموع" و أعلنت إحدى الشابات المناضلات أن "أفضل عطر رجالي يأسر الفتيات اليوم هو اكرينات".. و تحولت عبارتها إلى ماركة عالمية مسجلة للنضال الشبابي الموريتاني..


و أنا أقول لها أن أكثر الفتيات فتنة و جاذبية هي تلك التي تقول: لا.. و تخرج للتظاهر.. 
نزل الشباب مؤكدين على فكرة واحدة: يمكن أن تؤجل الأحلام في الكرامة و الحرية و العدالة.. يوما أو دهرا.. لكن الأمل هو آخر ما يمكن أن نفقده.
سيد ولد محمد الامين 
25 فبراير 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق