الجمعة، 9 ديسمبر 2016

الاحتجاجات الشبابية: الطريق إلى التغيير الحقيقي

"مرارة الفشل هي ثمن بخس لتجارب الحياة، و مهما فشلت التجربة فهي تتضمن جزءا من النجاح، هذا الجزء هو نواة للتجربة التالية، و هو حجر الأساس الذي أتم عليه البناء، الذي لا يفشل هو الذي لا يعمل" الكاتب: صبحي الجيار الذي قهر العجز، و ظل يبدع من سريره رغم الإعاقة.
اليوم.. ينظر متابع الشأن العام لمسألة التظاهرات التي يقوم بها الشباب الطامح للتغيير الإيجابي للبلاد باهتمام أكبر ليس لأنها أصبحت جزءا من الواقع اليومي المعاش و تفرض نفسها بحيث يصبح تجاهلها أمرا صعبا، بل للإمكانات الكبيرة التي تتيحها في سبيل التغيير الحقيقي، أو لِنقُلْ تأثيرها العميق في الوعي الجماعي للمواطنين.
تسوق المظاهرات في مجتمع كمجتمعنا المحافظ ـ البعيد عن الثورية بكل المقاييس ـ على أنها تصرفات "صبيانية" أو "مَاهِ مطٌابْقَه" حسب التعبير الدارج، إذ أن المطالب عبر تاريخ مجتمعنا كانت تطرح بواسطة مساطر معينة و بطريقة لا تتجاوز في الغالب سياج السيطرة [الأبوية في الأسرة، المشيخة القبلية و العشائرية..إلخ]، و في عهد الدولة لم تخرج المطالبات أيا كانت ـ إذا ما استثنيا ملامح محدودة تتعلق بالحركة الكدحية و العمالية ـ من هذا القالب "المتحجر والوصائي"، فكانت المطالب الاجتماعية تمرر من خلال شيوخ القبائل أو ممثليها الحاضرين في مراكز الدولة..
غير أن متغيرات عديدة جعلت ذلك السياج الوصائي يتصدع، و فرضت قنوات جديدة من خلالها تقدم تلك المطالب، إنها متغيرات تمثلت أساسا في:
·        نمو الوعي لدى المواطن بفضل تطور الحياة نفسها، و خصوصا تطور الاتصالات و الإعلام.
·        تخلي المشيخات التقليدية عن كثير من أدوارها التي كانت تؤديه بقصد أو بدونه مما أدى إلى سعي الناس إلى مباشرة طرح مطالبهم بطرق أخرى أكثر حداثة و تحررا من تلك الربقة.
·        تداعيات الربيع العربي التي مكنت الجميع من التحقق من قدرات و إمكانيات الفعل الاحتجاجي لتحقيق المطالب.
لكن تشويها كبيرا لا يزال يحيق بالاحتجاج في موريتانيا، و يغذي هذا التشويه دعايات رسمية مركزة تصور التظاهرات التي يقوم بها الشباب الموريتاني على أنها تخريبية، و مُسَيًسَة، و أنها استنساخ لتجارب في الخارج.. إلخ من الدعايات المضادة التي تستهدف التقليل من شأن هذه التحركات الاحتجاجية مما يخدم النظام القائم الواقع تحت ضغط شعبي كبير بسبب فشله في التعامل مع المشاكل المطروحة.
آخر هذه الدعايات هي ما سوقه الجنرال "عزيز" في ألاك حيث بدأ يعزف على "نغم" طالما عزفت عليه أنظمة بائدة سبقته، و هو "نعمة الأمن" متباهيا بأن نظامه يحقق الأمن و الاستقرار.. كلام يحيل إلى فترة ول الطايع مباشرة، و يؤكد انتماءه هو شخصيا و فكريا إلى تلك الحقبة الفاسدة، و التي كان خطأنا القاتل أننا تصالحنا معها، و سمحنا لرموز الفساد فيها، و حراسها بلعب دور كبير في حياتنا السياسية.
و يأتي في نفس الإطار التشويهي لهذه التحركات الاحتجاجية اصطناع كيانات موهومة مثل "شباب ضد الفوضى" الذي يرتل في "ببغائية" تلك النغمات المموجة.
سنكررها مرة أخرى و نقول إن الشعب الموريتاني شعب مسالم بطبيعته، و قد أثبت سلميته في أكثر من مناسبة، و لن نقبل أن يمن جنرال مغامر أو انتهازي بالاستيلاء على إحدى أجمل خصائصنا و ينسبها إلى نظامه المتهاوي..
من خلق الأمن في طرقات نواكشوط و أحيائها ليلا التي لا تشهد أي تغطية أمنية رسمية؟
من حرس الأسواق و الدور في ظل الفراغ الأمني يومي 8 و 9 يونيو 2003؟؟
يقمع الأمن المظاهرات بعنف مفرط لثني الناس عن المشاركة في المظاهرات السلمية، و يحرصون على ضرب النتظاهرين بعنف و إلقاء الكثير من مسيلات الدموع عليهم و على المارة العاديين من أجل ردع المتظاهرين و من أجل خلق نقمة عند المارة الذين لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا هناك، فيصبون سخطهم على المتظاهرين الذين تسبب وجودهم في إلحاق الأذى بهم ليغيب عن بالهم أن المتظاهرين ما خرجوا إلا من أجلهم و من أجل مطالبهم
ما الحاجة لإلقاء قرابة 20 قنبلة مسيلة للدموع في مظاهرة الــ15 من ابريل على يضعة عشرات من شباب 25 فبراير في منطقة آهلة نشطة؟؟
و لماذا يلقي الأمن في ذلك اليوم القنابل على أسطح البنوك القريبة، و منطقة "نقطة ساخنة" مزيدا من القنابل..؟؟
كيف يمكن أن يفهم سحل الفتيات الطالبات في المعهد و الجامعة، و تعذيب المتظاهرين و التنكيل بهم؟؟
إنها دعاية مضادة حتى لا تتطور أعداد المتظاهرين، لكنها في الوقت نفسه أخطاء قاتلة لهذا النظام القمعي، حيث تكشف عن همجيته في التعامل مع مطالب المتظاهرين السلميين سواء كانوا طلابا أو طالبي عمل أو أصحاب حقوق..
ستستمر التظاهرات و تزداد أعداد المشاركين فيها لأن المواطنين تتعزز قناعتهم يوما بعد يوم بفشل و عجز النظام عن حل مشكلاتهم، و لأنهم أصبحوا يشاهدون بأم أعينهم الوجه السلمي للاحتجاجات مما يمكنهم من تكوين تصورهم الخاص بعيدا عن أية دعاية، و في المقابل أصبحوا يشاهدون بكل وضوح وحشية و همجية الأمن أثناء قمعه للمتظاهرين.
الأهم من ذلك يشاهد المواطنون صدق المتظاهرين من خلال صمودهم و ثباتهم في مواجهة القمع دون أن يردوا عليه بأي شكل من أشكال العنف.. يشاهد المواطنون هذا الصمود في كل المظاهرات الشبابية التي برهنت على أنها كسرت حاجز الخوف،و لم يعد يوقفها سوى الرصاص، و آخر تلك التظاهرات الشبابية مظاهرة الــ 15 ابريل التي استغرب الكثير من المارة الذين التقيناهم من هذا المستوى الذي وصل إليه التظاهر في موريتانيا، مقتنعين بجدية المتظاهرين.
إن الاحتجاج المطلبي لم يعد حبيس العاصمة، بل تجاوزها إلى الداخل، فقامت احتجاجات لا تقل أهمية عن التي في نواكشوط،يمكن في هذا الصدد استعراض بعض منها:  مسيرة الأمل الأخير من نواذيبو إلى نواكشوط الاحتجاجية، احتجاجات العمال و الموظفين العموميين كالأساتذة، مسيرة لمذرذرة إلى تكند، الاحتجاجات في مكطع لحجار، كرو، جكني، بولنوار، أوجفت، لكريع.. إلخ.
و لقد بلغ رعب هذا النظام من تلك الاحتجاجات ـ رغم رمزيتها و محدوديتها في بعض الأحيان ـ حدا تجاوز كل الحدود المعقولة، فما معنى أن تداهم بيوت و تنتهك حرمات في حلك الليالي لاعتقال مجموعة من الشباب خوفا من أن تبدي احتجاجا رمزيا أمام رأس النظام في زيارته لمدينة منكوبة مثل مكطع لحجار؟؟
إن هذه التظاهرات الاحتجاجية تعتبر في حد ذاتها ثورة في أسلوب طرح المطالب، و تبدو اليوم للمواطن خيارا بديلا يجد فيه ذاته أكثر من الخيارات السابقة المحافظة و التي تجعله أسير الطغمة الإقطاعية الأوليغارسية تتاجر بمطالبه و معاناته.. و تسلبه الحق في الاعتراض.. إنها باختصار تجسد مزيدا من الحرية للمواطن الموريتاني الذي لم يعانق بعد آماله في الحرية و العزة و الكرامة.
و من هذا المنطلق فإن أي مهتم بالشأن العام عليه أن يدرك أهمية هذه التظاهرات الاحتجاجية باعتبارها محررا للمواطن من قيوده، و وسيلة ضغط أكثر حداثية و تقدمية لتحقيق مطالبه، و لذلك فإن علينا جميعا أن لا نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الظاهرة، فلنساهم بتغيير النظرة إليها و التصدي للتشويه المتعمد لها.
أود أن أخلص في الأخير إلى أن تجربة التظاهر التي دشنها الشباب الموريتاني منذ أكثر من عام
في 25 فبراير 2011 لم تفشل ـ و إن بدا أنها كذلك ـ و التي كانت ساحة بلوكات ميدانا لها، إذ ظلت تلك التجربة حاضرة في أذهان المتظاهرين فيما بعد متمثلين تلك الأيام بحلوها و مرها، بأخطائها و منجزاتها.
أعتقد أنه مثلما كانت تحركات الإيطاليين الفاشلة في ثورة فبراير 1848 التي ظلت مصدر إلهام لهم لأنها جسدت وحدة آمالهم رغم تفرقهم السياسي حتى انتفضوا فيما بعد و حققوا أحلامهم في الوحدة السياسية فستكون تجربة بلوكات ـ باعتبارها فاتحة عهد التظاهرات المطلبية ـ بالنسبة لشعبنا إذا قدر له أن ينجح في ثورته على الظلم و الفساد.
سيد ولد محمد الامين 
ابريل 2012 

من أجل دولة مدنية ديمقراطية:

في ذكرى العاشر من يوليو
سيخرج مجموعة من الشباب الموريتاني للتظاهر يوم العاشر من يوليو !
ليس من أجل الحصول على لقمة عيش يسدون بها أفواههم !
ليس من أجل الحصول على وظائف أو مناصب تروي مطامع شخصية !
سيخرجون من أجل هدف بعيد.. لا يتفق مع مستوى أعمارهم، و لا مع قدراتهم..
لكنهم يرونه، و يؤمنون به، و يتمسكون به، إذ يمثل تحقيقه خيارا لا بد منه من أجل تجسيد آمال هذا الشعب العظيم بطيبته، و بساطته، في دولة تضمن الكرامة، و الحرية، و تمنح الأمل لمواطنيها، و تشعر بالفخر و الاعتزاز.
إنهم يبصرونه، و قد عميت عنه بصائر الكثيرين..
و مستعدون للتضحية في سبيل تحقيقه بكل ما لديهم، و مستعدون لتحمل آلة القمع الأمنية التي لا تضن عليهم بمطلق السخاء كلما خرجوا متظاهرين..
قناعتهم أنه منذ العاشر من يوليو 1978 م و المأساة تتكرر بانقلابات تجهد طغمة عسكرية في كل مرة لإخراجها في صورة "الإنقاذ" أو "الخلاص" للوطن.. و يشحذ السياسيون ألسنتهم و خطاباتهم الديماغوجية لتبريرها، و تبرع مؤسسات الدولة المدنية و حتى القانونية (المجلس الدستوري) في إضفاء أسمى آيات التوصيف بضروريتها و الحاجة الملحة إليها..
في كل مرة يقع انقلاب أو اغتصاب للسلطة يتحالف كل أولئك ليموهوا على المواطن حقيقة ما يجري، و يقدموا أنفسهم على أنهم المخلًصون لنا، و أن سابقيهم هم الذين أوقعونا في المهالك، و أنهم المسئولون عن تخلفنا و فسادنا و الظلم و الجور فينا..
و النتيجة بعد كل مرة أن الشعب ترتهن إرادته في قبضة ثلة من العسكريين، و قلة من السياسيين مردوا على النفاق و التطبيل، و ألفوا التزمير لكل حاكم عسكري يتلألأ منكبه بنجوم براقة مخادعة، و يمتلئ صدره بنياشين الإجرام و اغتصاب الحقوق.
سيخرج هؤلاء الشباب في حركة 25 فبراير و غيرهم واعين تماما أن الجيش الوطني أبعد ما يكون عن تلك السرقات و الاغتصابات للسلطة، و أنه لا يختلف عن عموم الشعب إذ يزج به في مغامرات شخصية، و أطماع خاصة لطغمة من الضباط.
يدركون تماما و هم يحتجون ضد حكم العسكر ـ مكررين: يسقط.. يسقط حكم العسكر ـ أن الجيش يظل و يبقى جيش الأمة، يدافع عن الوطن، و مكتسباته، و حدوده، فهذا هو دوره الأصلي و النبيل، أما الزج به في أتون الانقلابات أو استخدامه لتحريف إرادة الشعب فيبقى فعلا أخرق تدأب الطغم العسكرية على تكراره، و هو ما لن يقبل به الموريتانيون بعد الآن، و لن يسمح لأي سياسي أو قانوني أن يمالئ إرادة ضباط معدودين ضد إرادة الشعب.
يسقط.. يسقط حكم العسكر..
9 يوليو 2012

الدماء الموريتانية ليست رخيصة!!

“دعوني أبكي فما أكثر الضاحكين في مواقف البكاء”: عبد الله القصيمي
وطني فوق الجميع مهما يمر مذاق اللقمة فيه، و يشح الماء في أرجائه، و تغيب الشمس عنه، فإنه يبقى الأحلى و الأروى، و الأقدس! مهما يقسو عليه الأبناء، و تتجاهل فيه أنات المرضى، و يترنح تحت وطأة الجوع، و يغرق في متاهات الجهل و الخرافة، يبقى الأرفع عمادا، و الأعز، و الأشم!
مهما تتكاثر فيه الطفيليات بانشطارية متسارعة، و يستنسر البغاث بأرضه، و ترتهن الحقيقة فيه بمحبس الشهوة و الطمع، يبقى الأنبل، و الأطهر!
مهما تخشبت مشاعرنا تجاهه، و تجمدت مدامعنا في مآقينا بخلا و ضنا، و تقاصرنا عن منحه الفرح، يبقى الأغلى!
تهون مصالح الناس في وطني: مأكلهم، مشربهم، نقلهم، صحتهم، تعليمهم، و حتى دماؤهم..!!
تقتل قوات “أمننا” أبناءنا، ثم يقال لنا في استهتار: لقد ألقوا بأنفسهم للتهلكة!!
و عندما نضج بارتباك مستنكرين ما وقع، لا نحسن أن نتلفع بالسواد أسبوعا، و ننسى بسرعة المأساة، و نعود لممارسة أسوء عاداتنا في “تحريف” الأمور عن مسارها الصحيح!
العالم يشاهدنا.. و يرى كيف نسترخص دماء أبنائنا، و كيف أن سلطتنا لا يرف لها جفن، و هي تقتل و تحرق و تهتك، و تروع، و تقمع، و تنهمك في جمع الأموال لطغمة حاكمة من العسكر و السماسرة.
الجوار يشعر بحماقات سلطتنا التي تنتهك برعونة حمقاء حوزة أراضيه، و تدخلاتها السافرة في شؤونها، و تدابيرها الجشعة لجمع المال من مواطنيهم الموجودين عندنا.. يشعرون بذلك، و يدفعهم للجنون!!
البارحة كانت خمسة أسطر هي قيمة الشهداء الإثني عشر لدى وزارة خارجيتنا !
و اليوم أمام الضغوط و سبق أحزاب و جماعات و أفراد للتعبير عن إدانتهم للمجزرة، و مطالبتهم بالتحقيق فيها، أخرجت الحكومة بيانا لا يختلف عن البيانات التي سمعناها، ببرودة تقشعر منها الأبدان لا تساوي الحمية فيها معشارا من حمية بيانات الحزب الحاكم عندما يتهجم على المعارضين.
لا تكفي البيانات!!
لا يكفي الشجب و التنديد!!
لا بد من البكاء بحرقة على هؤلاء الشهداء، و أول من ينبغي أن يبكيهم هي الحكومة.. إذا كان هناك نية لديها في تغيير مواقفها تجاه الوطن و المواطنين، و لا أحسب ذلك.
سلمت يا وطني..
تظل تدفع ثمن التسامح، من دماء أبنائك التي لا يراها الآخرون غالية إلا بقدر ما نراها نحن.
رحم الله الشهداء.
سيد ولد محمد الامين
10 سبتمبر 2012 

.أحلام مؤجلة.. في الشارع

  • خرج مئات من الشباب الموريتاني لتخليد ذكرى الخامس و العشرين من فبراير و ميدانهم الشارع، المكان الوحيد الذي استطاع أن يستوعب حجم الآمال الكبيرة التي تراوده في حياة أفضل، و ربما هو المستقبل الذي ينتظر الأجيال القادمة، بعدما طرقوا كل الأبواب..
في ظل جهل تام أو تجاهل لتطلعاته المشروعة في الكرامة و الحرية و العدالة و الأمل..
و اسمحوا لي فقد تبدو تلك العبارات مطروقة و مبهمة للكثيرين.. و لكنها تعني الكثير للذين نزلوا للشارع، إنها تتراءى لهم من بعيد كحلم طال انتظاره في وطن ينكره قادته، و سياسيوه، و مثقفوه و سماسرته على مدى عقود..
نزل الشباب للشارع و هم في نشوة حلم يريدون تحقيقه.. و لكنهم لم يستطيعوا أن يواصلوا فيه لأن النظام استكثر عليهم ذلك الحلم، لأنه قرر أن يظل "صاحيا" لنفسه فحسب، و نشر قوات من الشرطة و الحرس و الدرك، و الكلاب.. و لأنه قرر أيضا أن لا تتجاوز نظرته أقدامه الوسخة بأدران الفساد.
نزل الشباب و هم يحلمون أن يجسدوا "وطنا" رسموه على كراساتهم أيام الدراسة: هلالا و نجمة تشعر بالاعتزاز و الانتماء.. و خريطة تبرز منها نخلة و سنبلة تسقى بعرق شفاف..
نزل الشباب و ذاكرتهم منعشة بآمال رافقتهم طويلا خلال مسيرتهم الدراسية حيث تطلعوا بكل عزيمة لأن يكونوا رجالا و نساء مرموقين: يبنون عقولا للوطن في الفصول، أو يخففون من أنات المرضى، أو يشيدون للبسطاء الطيبين مرافق تسترهم و تجعلهم في مصاف البشر المكرمين....
نزل الشباب و مشهد خاص بكل واحد منهم عن أبناء و أحفاد يحققون ما لم يصلوا إليه من عزة و كرامة و انطلاق.. في ظروف أحسن أضعاف المرات..
نزل الشباب و هم يحاولون أن ينسوا مشاهد اغتيال الوطن، و تخليه عن جنوده، و مدرسيه، و أطبائه، و محاميه، و قضاته و قبل ذلك تخليه عن فقرائه..
أصروا على تجسيد أحلامهم المؤجلة، و ما أبقى الدهر من صور جميلة رسموها و تخيلوها و عشقوها لوطنهم.. بريشة الهتافات التي تقول: لا..
أصروا على محو الصورة المظلمة بممحاة التظاهر السلمي: الفساد، الظلم، التجهيل، التفقير، التهميش..
أعرف أن الكثيرين لم يلتحقوا بهم لأنهم يخافون على الفتات الذي يلقى إليهم..
و الكثيرون لم يفهموا لماذا خرجوا لأنهم تعودوا اليأس من تأجيل أحلامهم..
و الكثيرون لن يستوعبوا تحركهم لأنهم لا يستطيعون أن يضحوا بدقيقة واحدة خارج إطار تحصيل لقمة العيش التي تضمر يوما بعد يوم..
قلة قليلة شعرت بأن هذا النزول للشارع يهددهم بالخطر، لأنهم هم المسئولون عن تأجيل أحلام كل موريتاني في الكرامة و الحرية و العدالة و الأمل.. و رصد هؤلاء مقدرات موريتانيا لقمع هذا التحرك السلمي، أو للضغط على الذين نزلوا، مثلما تعودوا دائما حيث يشغلون أنفسهم دائما بحروبهم الخاصة للبقاء..
كان الإصرار على الاستمرار في الحلم يشع من عيني محمد عبدو و سيد الطيب ولد المجتبى و التار ولد احمده و محمد محمود ولد المجتبى.. "بعض الشباب الذين كانوا هناك".. و لدى الجميع ممن أصر على التظاهر رغم الآليات و الحشود و الكلاب المدربة على العض.. رغم دخان مسيلات الدموع الذي يحد من الرؤية، لكنه لا يمكن أن يمنع هؤلاء من رؤية أحلامهم المضيعة.. لقد هزأ هؤلاء من آليات القمع و من "دخان الدموع" و أعلنت إحدى الشابات المناضلات أن "أفضل عطر رجالي يأسر الفتيات اليوم هو اكرينات".. و تحولت عبارتها إلى ماركة عالمية مسجلة للنضال الشبابي الموريتاني..


و أنا أقول لها أن أكثر الفتيات فتنة و جاذبية هي تلك التي تقول: لا.. و تخرج للتظاهر.. 
نزل الشباب مؤكدين على فكرة واحدة: يمكن أن تؤجل الأحلام في الكرامة و الحرية و العدالة.. يوما أو دهرا.. لكن الأمل هو آخر ما يمكن أن نفقده.
سيد ولد محمد الامين 
25 فبراير 2012

لن نكون آلهة

لست مهتما كثيرا بالردود.. لكنني أجد اليوم واحدا ممن يوصفون بقادة الرأي، و هو يصب جام غضبه على النخب العلمانية في العالم العربي.. و هو أمر غير مفهوم، لأنه في الواقع لا يفترض أن يكون غلام غاضبا بقدر ما يجب أن يكون فرحا منتشيا بنصر إخوانه في مصر و تونس و المغرب.. أم أن هذه طريقة جديدة للتعبير عن الفرح لدى الإسلامويين من أمثاله..
أجدني اليوم مرغما على الرد على طريقة التعبير هذه "المريبة" لأنني ببساطة لا أقبل أن يكون قادة الرأي فينا هكذا.. و لأنني أخشى غدا إذا كانت فرحة القائد السياسي الاسلاموي أكبر أن يكون التعبير أكبر من هذا التعبير اليوم.. أفترض هنا في حالة فوز الاسلامويين في موريتانيا..
ينطلق الكاتب في مقاله "المرعوبون" من تصور ضيق جدا: التقابل بين الثقافة والدين، و هذا التصور المريض مدعاة للأسى يجعلني أدعوه إلى التأسي ـ على الأقل ـ بأضرابه الفائزين هناك، و الذين لا يرون تناقضا صارخا بين الثقافة و الدين.. قصدت هنا عبارته: "ماتت الثقافة" فهي تعكس لي فهمه للموضوع بشكل واضح، لكن الأهم في هذه النقطة أنني أود لفت نظره أن "الثقافة" لن تموت حتى لو حكم الشيطان نفسه..
و أن العلمانيين لن يهاجروا عن أوطانهم، فهي دائما حاضرة في ثقافتهم و أدبياتهم حتى لو أكرهوا على مغادرتها، و على الأقل لديهم تصور واضح عن الوطن بخلاف كاتبنا الغاضب الفرح..
سأدعو الكاتب الموقر إلى التأمل معي في نتائج الربيع العربي:
·       انتخابات عمل العلمانيون و غيرهم على أن تكون شفافة، ونتائجها مقبولة بصرف النظر عن الفائز فيها..
·       حكومات ائتلافية فيها قوى علمانية كتعبير عن القبول بشراكة الآخر.. الأمر الذي لا تقبله حركتكم هنا في موريتانيا: لا أقصد على مستوى الحكم، فلم يقدر الله ذلك بعد، و إنما قصدت مستوى الاتحادات الطلابية و النقابات المهنية.. فلا زلتم تتعاملون هناك بمنطق الاستبداد و الفردانية الأحادية..
·       رئاسات حكومية إسلامية "واقعية" لا تزايد بــ"نزع فتيل الخصومة بين الدين والدولة" و تقر عمليا بضرورة العلمانية.
·       اختلاف التعامل مع القضايا العالقة من حكومة لأخرى: سأشرح هذا الاختلاف من خلال مثال واحد هو موقف الحكومات الصاعدة من العلاقة مع الكيان الصهيوني الذي طالما كان موقف الحركات الإسلامية منه موحدا و جاذبا للجماهير، ففي مصر يطمئن الإخوان الدول الغربية على مصير هذه العلاقة، و في تونس يقرر الجبالي أن "المصلحة الوطنية ستكون أساس مراجعة أي علاقة"، و في المغرب يتحاشى بن كيران الخوض في هذا الأمر لأن الأمر معقد، و لا يهم في الوقت الحالي إذ لا يجب أن يحول بين التناغم بين العرش و الحكومة.
ما قصدت من الاستطراد في هذه الأمثلة هو واقعية و ابراغماتية هذه الحكومات الجديدة التي تراها أحدثت القطيعة الثقافية، و هو أمر غير صحيح بالمرة، و لو كان ذلك بالإمكان لفعلتم قريبا من ذلك أيام حكومة ولد الشيخ عبدالله، فلماذا أكل القط لسانكم حول العلاقة مع إسرائيل.. ؟؟؟
·       اتجاه عام لهذه الحكومات نحو التعامل بمنطق العلمانية في تسيير شؤون الدولة، فأين أنت من  د. رفيق حبيب نائب رئيس حزب العدالة و الحرية الذي دعا "الكنيسة القبطية إلى الابتعاد عن دور تنظيم الناس المسيحيين، و أن على المسيحيين أن ينتظموا في حزب سياسي" أليست هذه الكلمات من نائب رئيس أكبر حزب للإخوان تفوح بعطر العلمانية؟؟ 
ثم هل أغلقت أو ستغلق النهضة الحانات و ستحاصر السواح؟؟هل أصبحت النهضة علمانية دون أن تدري؟؟
أقول دائما إن نظرتكم بعيدة كل البعد عن الواقع و حتى البشرية..
فأنتم تسعون للتأله، و تحاولون اخذ ادوار الإله في تدبير الكون و تقرير الطريقة التي يطبق بها شرعه، من انتم إذن حتى تقرروا ذلك نيابة عن الله..؟؟ إنكم تقعون في أغبى و أسوء فهم للدين في التاريخ.. إن التأله الإنساني يبدو في عصرنا الحاضر أمرا مستحيلا لأن العقل الانتقادي يبرز و يتطور .. نحن بشر يا غلام، و لن نكون آلهة..، و لن نقرر الطريقة التي يطبق بها الله شرعه العادل.. و ستصطدمون عندما تحاولون تطبيق ذلك الوهم الذي تقدمونه لأتباعكم بصخرة الواقع العصي: فلن يكون الإنسان إلها.. حتى لو حكم الإسلامويون الأرض كلها..
دعني أقل لك شيئا في الختام: أنا علماني أعلنها.. أنت علماني مستتر.

نواكشوط: 31 ديسمبر 2011

لن يشاركوا..

المدونون العرب لن يشاركوا في مهزلة النظام التي يحاول إقناع العالم بها أنه إلى جانب التحركات الثورية العربية في الربيع العربي، لأنهم ببساطة لا يمكن أن يدفعوا عمرهم و شبابهم و خبرتهم، تضحياتهم و نضالهم من أجل أن يضعوا أيديهم النظيفة في أيد وسخة متلطخة بدماء شعبها.. لا يمكن أن يمالئوا نظاما استهزأ بإرادة شعبه في الإصلاح و التقدم، و تجاهل صرخات الظلم و الفجيعة التي يطلقها صباح مساء..
هؤلاء المدونون الشرفاء لم و لن يقبلوا بأن يستغلهم هذا النظام في تلميع صورته المشوهة في عيون العالم بعد أن بسط يده إلى الطغيان في كل مكان من العالم العربي و مالأ الطغاة البائدين، فضلا عن ممارسته للطغيان في بلده، من قتل للمتظاهرين، و قمع و تنكيل، و سجن و ترهيب..
يقف هذا النظام في زاوية ضيقة محشورا و منبوذا حلفاؤه هم حكام سوريا الذين يذبحون الشعب السوري منذ تسعة أشهر، و حكام إيران الذين كانوا معلميه في التزوير الانتخابي المتطور.. غير هؤلاء لا يجد رأس النظام الذي طار إلى كل أرض الله فلم يجد حليفا يقف معه غير هؤلاء.. بعد أن قضت الثورة العربية على معلمه المجنون الذي زار منذ أيام أسرته و كأنه يعرف معنى الوفاء..
يجد هذا النظام نفسه اليوم معزولا في الداخل فلم ينجح في استقطاب قوى سياسية يطمئن إلى انطلاء حيله عليها بعدما خدعها بعد اتفاق داكار و قررت مقاطعته كليا: تارة يوعز إلى قوى وهمية بإنشاء أحزاب سماها "شبابية" لاستقطاب الشباب، الذي رفض إلا أن يتشبث بحقه في المطالبة بالتغيير الحقيقي الجاد، و مضى في سبيل ذلك على ما به من اختراقات من طرف النظام الأمني..
و تارة يدعو إلى حوار وهمي لتلتحق به قوى مرتزقة دأبت على التحلق حول فضلات الموائد، ليكتشف بعد ذلك أن كل قواه السياسية وهم في وهم و يفكر في إنشاء حزب جديد.. متخبطا تخبط غير المطمئن الذي يدرك جيدا أن وقته قد فات و أن ساعة حينه قادمة لا ريب فيها..
و ما هذه الخطوة التي يعتزم القيام بها إلا في إطار هذا التخبط: حيث يسعى إلى الإيهام بأنه يقف إلى جانب الثورات العربية بإضافة المدونين العرب و الموريتانيين في لقاء صوري لا يقدم للقضية شيئا، و ربما يراد منه معلومات أمنية بالدرجة الأولى..
بالتأكيد لن يحضر المدونون الموريتانيون الشرفاء، و سيعمد هذا النظام إلى التمثيل كما في كل مرة و يستدعي مدونين من عنده لم يدونوا حرفا على النت..
و أملنا كبير في أن يستجيب المدونون العرب إلى نداءات إخوتهم في مقاطعة هذا التجمع الصوري.. لتفلس ورقة أخرى من أوراق هذا النظام المتداعي.
سيد ولد محمد الامين
20 ديسمبر 2011

هل بدأ عزيز يبرد في ثلاجة الحكم؟

.. جاء إلى الحكم في أيام القيظ، أو لنقل اغتصب الحكم بانقلاب - كما يصر البعض - حيث ينبغي أن نسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة، لكن أكثر ما ميزه عن سابقيه حرارته و اندفاعه، تلك الحرارة التي لم تجذب المتمسكين " بالشرعية الديمقراطية المدنية "، لكنها في المقابل اجتذبت مئات آلاف المواطنين و هم يتابعون سيل كلماته الحارة اللاذعة المندفعة من شخص خبر أنظمة الحكم في البلاد، فرأت فيه نمطا جديدا من الحكام يختلف عمن سبقوه على الأقل في خطابه الذي كان في أغلب الأحيان قريبا من أفهامهم، ملامسا لما يعيشونه: حديثه عن الكبات و حياة " ادْيُوك " ، و كلماته عن الفساد و المفسدين و " انْوَكلُوهُم مارُ الْخَامِر " رفعت شعبيته، اقتحامه لمواطن الفقراء و التعساء جعلته يحظى بذلك اللقب "رئيس الفقراء".
و طوال حملته الانتخابية التي امتدت لعشرة أشهر كان الناس مندهشين من هذا الخطاب الجريء الذي لم يعهدوه، و ذلك الكلام " لَمْكَلْعَ اغْفَافِيرُ" – كما اعتبره البعض- انتزع الإصغاء إليه باهتمام بالغ، يراودهم الأمل في أن صاحبه ربما كان أكثر صدقا من جميع من سبقه من الرؤساء الذين تميزوا بالبرودة تجاه أحاسيس و قضايا الفقراء و المحزونين الذين تضج بهم البلاد، أما هو فيبدو أكثر اندفاعا و انطلاقا و حرارة تجاه قضاياهم، و كأنه واحد منهم.
و في يوم تنصيبه رئيسا للجمهورية في الملعب، كانت التفاتته (الذكية سياسيا) إلى الجماهير البسيطة حيث بادر عند دخوله الملعب، و بدلا من التوجه إلى منصة الشرف، بادر بالتوجه إلى الجماهير المطحونة في " اتْرِيبِينْ الشمس " و شرع يطوف بها و يلوح بيده لها، و عندما تسلم الميكرفون ليلقي خطابه كانت أول فكرة يتحدث عنها تنم عن اهتمامه بالشرائح الضعيفة من هذا المجتمع، " في هذه المناسبة السعيدة لا يغيب عن باله معاناتها" !
يومها اقشعر بدني لهذه العبارة لأنها ببساطة كانت تعبر على الأقل عن " مشاعر طيبة " و ممن؟ من رئيس البلاد! و قد اعتدنا فيما مضى على رؤساء شبه جامدين و ربما خيل للبعض أنهم بلا مشاعر!
و لكن الأيام تمضي، و يمارس الرئيس الجديد مهامه، إلا أن الفقراء لم يشعروا بالحمل الثقيل ينحط عنهم، حتى و إن كانت تلوح في الأفق أن معاناة الكزرة و الكبة ستنتهي، إلا أن أرزاء جديدة انضافت: أعشاش " ادْيُوك " التي آوتهم كثيرا، و أصبحت تمثل لهم ولأبنائهم ذكريات (لا يهم كثيرا إن كانت سيئة) تهدم، ومن أجل ماذا؟ من أجل الحصول على أرض جرداء أكثر بعدا عن مركز الخدمات، فهل كان الرئيس يفكر في معاناة هؤلاء يوم تنصيبه؟
و هؤلاء المواطنون الذين يأبه لهم الرئيس في لحظات فرحه، هل كان من الضروري أن يصطفوا في طوابير لانهائية ليشتروا السكر بـ 100 أوقية بدلا من 180 أوقية، و ذلك في مشهد يلخص أن الفرق بين الإنسانية و البهيمية في بلادنا يساوي 80 أوقية!
أليس هؤلاء مواطنين محترمين؟ أليس من حقهم أن يحصلوا على احتياجاتهم بصورة مشرفة تصون إنسانيتهم و كرامتهم؟
يا رئيس الفقراء
إن كنت لا يزال في " بالك معاناتنا" فانظر ماذا صنعت بنا دكاكين التضامن؟ أترضى لنا أن نظل في طوابير نصف النهار لنحصل على كلغ من السكر و "نص ولاط" من الزيت؟! أهذه رحمتك بنا و عطفك علينا؟!
يا رئيس الفقراء
أين وعودك لنا بمحاربة الفساد؟
صحيح أن خطوات قطعت في هذا المجال، و لكن ألا تعتقد أنك بحاجة لن تعرف أحدث الطرق التي يتحايل بها أهل إدارتك على المال العمومي؟
هل ستكتفي بالإجراءات التي قامت بها الخزينة و المصالح المالية للحد من التحايل على المال العمومي، ألن تسأل أحدا عن الرشوة المستفحلة؟ ألن تباغت إدارة من الإدارات التي يرفض موظفوها القيام بواجباتهم تجاه المواطنين فيهربون عن مكاتبهم أو يعبسون في وجوه المواطنين فقط لأنهم "ما فيهم ش"!
ألن تقطع اليد التي تمتد إلى المال العمومي لتكون عبرة، أنا شخصيا يمكنني أن أرشدك إلى يد أو يدين تستحقان القطع، و هناك مواطنون شرفاء مستعدون و أكثر اطلاعا مني، فهل أنت مستعد للتفكير في معاناتنا؟
يا رئيس الفقراء
هل جمدتك ثلاجة الحكم، فلم تعد تشعر بوهج الشمس فوق باعة المياه على الحمير، ولا حرها فوق رؤوس بائعات " Begné "، هل تبردت حتى صرت ما تشعر بقشعريرة المريض في قاعة الحالات المستعجلة حيث عشرات الجزارين و مصاصي الدماء يلبسون زي الأطباء و الممرضين؟
يا رئيس الفقراء
هل توقف نبضك الحار حتى ما عدت تفكر في همومنا و مشاغلنا، أللحكم مشاغل غيرنا؟
ألم تأت للحكم بواسطتنا فنحن اخترناك، فهل ستدير ظهرك لنا؟
أم أنك لم تعد تشعر بما حولك، فقط أنت و الثلاجة؟!!!!
سيد ولد محمد الامين
نواكشوط، 23. 09. 2011