الخميس، 22 مارس 2018

حتى لا نُضيِّع الجهد في حروب خاسرة!

(ردا على الأستاذ محمد الامين ولد الفاضل)
ليس لي موهبة الأستاذ الفاضل في نشر 3 مقالات في أسبوع واحد، لكنني سأحوز شرف الرد على مضامين تلك الأجزاء الثلاثة من عنوانه "حتى لا نضيع فرصة 2019" في مقال واحد.
في المبتدأ، وسعيا لتشكيل أرضية مشتركة، لا ضير في أن نحدد بعض المفاهيم: فلا بد من التنبيه على أن الأحزاب السياسية جزء من النظام الرسمي للجمهورية، يعترف بها الدستور ككيانات سياسية تسعى لتأطير المواطنين من جهة، وتسعى لأخذ السلطة من جهة أخرى، وفي 2007 تم الاعتراف بما يسمى مؤسسة المعارضة الديمقراطية وأصبحت من ضمن المؤسسات الرسمية التي يخصص لها بند سنوي في الميزانية.
تعتمد الأحزاب السياسية على الإدارة الحكومية في ترخيصها وترخيص أنشطتها وجزء من تمويلها.
إن تلك الأمور تعني أن الأحزاب المعارضة جزء من النظام السياسي لهذا البلد، ولا يمكن أن نطلق عليها "معارضة" هكذا دون معرف، فهي في الواقع ليست معارضة للنظام، وإنما الدقيق أنها معارضة داخل النظام لا تختلف عن معارضة ولد محم في حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، فما داموا لا يعارضون طبيعة النظام المتسلطة فلا يختلفون في أي شيء عن مسانديه، الفرق فقط يكمن في أنهم يسعون للحلول مكانه.
وسوف يبرهن أداء هذه الأحزاب الذي استفاض الأستاذ في الحديث عنه أنها كانت تحافظ حتى على القوى المتمسكة بالسلطة في كل مرة (الأمثلة التي تطرق لها تظهر مد أحد هذه الأحزاب في كل مرة لطوق النجاة للنظام الرسمي بالمشاركة معه أو مساندته).
وإذا كان ذلك غير كافٍ لوصفها بأنها جزء من النظام فخذ مثلا أن هذه الأحزاب لا تناضل من أجل تغيير جوهر النظام ولا الحد من السلطوية المفرطة التي يتمتع بها على سبيل المثال رئيس الجمهورية الذي يعتبر ملكا بدون تاج وهيلمان ملكي بما يخول من سلطة مطلقة، وتأسيسا على ذلك يمكن القول بثقة أن رئيس كل حزب معارض هو مشروع رئيس دكتاتور وسلطوي ما دام لا يود مراجعة تلك الصلاحيات الواسعة!
إذن، الأحزاب السياسية المعارضة لا تعارض النظام، وإنما هي جزء من هذا النظام السياسي المتلبس بلبوس الديمقراطية بينما هو في جوهره نظام دكتاتوري متسلط، يحكم بمنطق الإكراه والقوة، ولا يتيح للمتظلم رفع صوته إلا بعد طلب الإذن بذلك. فكيف تكون هذه الأحزاب بديلا في 2019 للسلطة القائمة حاليا؟
ما هو المكسب الذي سيجنيه المواطن من مغادرة رئيس سلطوي ومجيء آخر محله ولو كان من أحزاب المعارضة، فالنظام هو نفسه..؟!
إن خطاب المعارضة يتماهى في أحيان كثيرة مع خطاب السلطة القائمة، وهو ما يجعلها في ذهن المواطن ملتبسة مع "النظام"، ففي الوقت الذي يجسم فيه النظام بعبع الوحدة الوطنية ليخيف الناس بالوهم من التحرك لأخذ حقوقهم تعمد المعارضة في نفس الوقت لتضخيم هذا البعبع متممة ما بدأ النظام من تخويف وقمع!
ليس ذلك فحسب، بل إن من ضمن قادة هذه المعارضة الحزبية فاسدون مفسدون تدرك الجماهير حقيقتهم مما أفقد هذه المعارضة مصداقيتها لديهم، ووجدت دعاية "النظام" المركزة على هذه الحقيقة المؤسفة طريقها إلى عقولهم، وبالتالي فإنهم بذلك لا يختلفون عن الطرف الآخر، فهنا مفسدون كما هم هنالك.
وفي الواقع، فإن سياسة الأبواب المفتوحة لضم كل مغاضب على الطرف الممسك بالسلطة أضرت كثيرا بمصداقية نضال المعارضة وبينت عدم جديتها في التخلص من النظام، فما الذي يجعل المفسد المنضم للمعارضة مطهرا من كل آثامه وخطاياه في حق الشعب الموريتاني؟! وما الذي يجعلنا ننتظر من قمعيين في ظل تمظهرات  سابقة للنظام محاضرات عن الديمقراطية والحرية؟!
وكيف نستخدم الأموال التي انتزعت من لقمة الفقير على يد رجل أعمال جشع لإحداث التغيير فقط لأن ذلك المرابي البشع اختلف مع أسياده الذين استخدم كل سلاح لوصولهم إلى السلطة؟!
هل يستخفون بعقولنا أم يعتمدون على قصر ذاكرتنا؟!
لم تنجح المعارضة الحزبية في تحقيق مبتغاها في الوصول للسلطة نظرا لوجود نفس إصلاحي في خطابها، ذلك النفس الذي لم يطمئن القوى المسيطرة على السلطة منذ نهاية السبعينيات (العسكر ـ رجال المال ـ النافذون الاجتماعيون)، لكن ذلك الخطاب لم يفلح في تمييزها عن خندق النظام القائم، وبما أن عملية الاختيار الشكلية عبر الصناديق كانت تحصيل حاصل لما تتجه إليه إرادة القوى المسيطرة فإن الرهان عليها يعد عبثيا (لا ينبغي أن ننسى هنا عبارة ولد عبد العزيز في 2007: "لن ينجح ولد داداه ولو صوتت له الصين" رغم أن أغلب فعاليات ائتلاف قوى التغيير كانت ملتفة حوله).
6 فبراير 2018

بطلان الاعتماد على المادة 38 دون التقيد بإجراءات المادة 99

الحمد لله الذي خلق الإنسان، وأعطاه البنان، ومكنه من البيان..
وبعد:
لقد أثار تصويت مجلس الشيوخ في 18 مارس 2017 ضد مشروع مراجعة الدستور المتقدم به من طرف رئيس الجمهورية إلى المؤتمر البرلماني الجدال في أوساط أهل الاختصاص من أساتذة وفقهاء دستوريين حول الإجراءات الصحيحة التي ينبغي اتباعها في مسألة عرض مشروع المراجعة بعد أن وقف حمارها بباب الشيوخ، حيث أن الأمر شكل سابقة في التاريخ الدستوري الوطني ، وهو التاريخ الذي لا يزال في سطوره الأولى مقارنة بالتاريخ الدستوري لبلدان أخرى.
فانبرى المختصون بعد التأمل اللازم لتقديم الاستشارة، ولتوضيح ما تبنوا من اجتهادات وتفسيرات بخصوص هذه النازلة.
وإني ارتأيت أن أدلي بفهمي في هذا الموضوع، وهو فهم تعوز صاحبه إمكانات الأساتذة المتبحرين، والفقهاء المتمرسين، على أنه فهم مبني على الأسس القانونية والدستورية التي خبرت من خلال الدراسة والتأمل في هذا الموضوع الخطير، جهدت فيه تلمسا للقراءة الصحيحة للمواد المتعلقة بالموضوع، معملا  القواعد الأصولية في القانون، ووسائل اللغة والمنطق، في التفسير.
وحرصت أن لا تشوبه شائبة من شوائب التخندق السياسي ـ برغم تخندقي ـ التي يمكن أن تغمز فيه.
وبسطته حتى يكون في متناول غير أهل الاختصاص.
أولا: هل نحن أمام نازلة دستورية؟
تم تعديل دستور 20 يوليو 1991 مرتين: الأولى في يونيو 2006 في ظل غياب المؤسسات الديمقراطية أثناء الفترة الانتقالية التي كان الدستور فيها معطلا بعد انقلاب أغشت 2005 ، وتم ذلك عن طريق استفتاء شعبي.
أما الثانية فكانت في مارس 2012 بواسطة مؤتمر برلماني دعي له آنذاك.
والآن نواجه سابقة فريدة، حيث دعا رئيس الجمهورية إلى مؤتمر برلماني لعرض مشروع تعديلات دستورية ولم يصوت ثلاثة أخماس مجلس الشيوخ عليه فأسقط المشروع.
سياسيا، بدا أن هناك إرادة لاتخاذ طريق أخرى غير المؤتمر البرلماني، فتم اللجوء إلى الخيار الآخر الذي يسمح به الدستور حسب المادة 99 .
هنا ثار الإشكال، والجدل: هل يمكن لرئيس الجمهورية عرض التعديل الدستوري على الاستفتاء الشعبي مباشرة أم أنه ملزم بالتقيد بإجراءات المادة 99 التي تقضي بموافقة ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية وثلثي أعضاء مجلس الشيوخ؟
إذن، نحن أمام نازلة دستورية لم يسبق أن تعرض النظام الدستوري لها في موريتانيا، والاختصاصيون هم من سيحسم في أمر هذه النازلة، وهم من سيحدد بالضبط الإجراء الصحيح الذي على السلطة اتباعه حتى تنسجم مع مقتضيات الدستور (القانون الأعلى).
ثانيا: عرض الآراء:
بعد أقل من أسبوع على إسقاط مشروع  مراجعة الدستور من طرف مجلس الشيوخ اتضح أن هناك رأيان:
ـ رأي يقول بإمكانية تقدم رئيس الجمهورية، في أي وقت، بمراجعة الدستور عن طريق الاستفتاء الشعبي، ويستند هذا الرأي إجمالا إلى تفسير يتأسس على المادة 38 من الدستور التي يرون أنها تجسد مبدأ السيادة الشعبية، وممارسة الشعب للسلطة، ويذهبون إلى أن هذه المادة عامة ومطلقة لا تقيدها المادة 99 من الدستور.
ـ رأي يقول بعدم إمكانية عرض أي مراجعة للدستور على الاستفتاء الشعبي إلا عبر قيود وإجراءات الباب الحادي عشر والمواد 99، 100، 101. ويستند هذا الرأي على أن هذا الباب ومواده هو الذي خصصه المشرع للمراجعات الدستورية، وأن أحكامه هي المرجع في هذا الموضوع.
ثالثا: في الرد على الرأي الأول:
بطلان أساس التفسير بالنسبة لأصحاب الرأي الأول:
يحتج أصحاب هذا الرأي بأن المادة 38 مادة عامة مطلقة تتيح لرئيس الجمهورية، في أي وقت، استشارة الشعب في كل قضية ذات أهمية وطنية انطلاقا من الأسس التي ذكرنا في العرض، ولا شك في عمومية المادةن لكنها ليست مطلقة.
ـ لا يمكن اتباع تقنيات الرد والإحالة والإرجاع في كل مواد الدستور كما يرى القائلون بهذا الرأي، وإلا تحول النص الدستوري إلى نص معقد، متداخل، ملتبس، تحيل فيه كل مادة إلى المواد المتعلقة بها، فمثلا، وبهذا المنطق، ستتضمن كل مادة في باب السلطة التنفيذية إحالات إلى أغلب مواد الدستور لعلاقتها الحيوية بالسلطتين التشريعية والقضائية.
ـ ما يرد به هؤلاء حول أهمية التبويب في الدستور غير صحيح، فقد دأب الفقه على إعطاء التبويب ما يستحق من أهمية مفسرا على ضوئه، ومستأنسا به. وبالفعل لا أحكام في الأبواب وترقيم المواد، ولكن هل يمكن فصل الماء عن الإناء؟!
ـ مثال المادة 38 لو افترضنا أنها تتعلق بمراجعة الدستور، وهو ما لا نراه واردا، هو المادة 36 التي تنص على أن رئيس الجمهورية يوقع المعاهدات ويصدق عليها، فلو قلنا بإطلاق هذه المادة ـ على غرار المادة 38 ـ فأين سنكون من المادة 78  في الباب الخامس حول المعاهدات الدولية التي تضع قيودا على هذا التوقيع والتصديق الوارد في المادة 36، ولم يحل إليها أثناء صياغة تلك القيود في المادة 78، ويمكن القياس على هاتين المادتين كثير من المواد في الدستور، بما فيها المادة موضع الجدال مع مواد الباب الحادي عشر.
ـ بنفس المنطق الذي يقول به هؤلاء أنه لم تتم إحالة أو رد أو إرجاع لهذه المادة يمكن أن يحتج به عليهم، إذ كيف يمكن أن تكون متعلقة بتعديل الدستور ولم تشر إلى ذلك مادة من مواد مراجعة الدستور الثلاث؟!
ـ العلاقة العضوية لرئيس الجمهورية بالشعب لكونه انتخبه وهي مصدر سلطته في عرض أي قضية ذات أهمية وطنية على الشعب للاستفتاء ليست حصرية، ولا تجعله غير خاضع للإجراءات والترتيبات التي يضعها المشرع لتوازن السلطات، ففي الحقيقة يعتبر البرلمان ممثلا للشعب، وله علاقة عضوية ـ هو الآخر ـ بالشعب تمكنه من سلطة تقديرية في رفض تقدير رئيس الجمهورية لعرض مشروع مراجعة على الاستفتاء.
ـ إذا قلنا بعمومية وإطلاقية المادة 38 من الدستور فسنكون أمام مأزق خطير، إذ أننا سنجعل رئيس الجمهورية متحررا ليس من القيود الإجرائية الشكلية فحسب للمواد الواردة في الباب الحادي عشر (مصادقة ثلثي أعضاء غرفتي البرلمان على مشروع التعديلات) بل سنكون أمام خطر عدم التقيد بمضمون الفقرة الثالثة من المادة 99 التي تنص على أنه: "لا يجوز الشروع في أي إجراء يرمى إلى مراجعة الدستور، إذا كان يطعن في كيان الدولة أو ينال من حوزة أراضيها أو من الصبغة الجمهورية للمؤسسات أو من الطابع التعددي للديمقراطية الموريتانية أو من مبدأ التناوب الديمقراطي على السلطة والمبدأ الملازم له الذي يحدد مدة ولاية رئيس الجمهورية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وذلك طبقا لما تنص عليه المادتان 26 و28 المذكورتان سالفا."
وعليه فيمكن لرئيس الجمهورية أن يتخلص من المادتين 26 و28 ببساطة!
وفي الواقع، إن القراءة الصحيحة للمادة 38 لا يمكن أن تتم بمعزل عن مواد الباب الحادي عشر من الدستور، ومواده التي ضمنها المشروع طريقة مراجعة الدستور، ولا ضرورة للإشارة في نص الدستور إلى رد هذه المادة أو إرجاعها إلى هذه المواد كما سبق وأن قلنا.
مواد الباب 11 تفسر المادة 38:
في ضوء الفراغ الموجود في العهد لجهة محددة باعتماد التفسير الدستوري في موريتانيا، حيث لا يختص المجلس الدستوري بذلك ولا أي جهة قضائية أو مؤسسة دستورية، وهي فجوة يجب أن تسد في أقرب وقت، يصبح الأمر منوطا بالاجتهاد الفقهي،  وقد دأب المفسرون من أساتذة دستوريين على استخدام تقنيات علمية للتصدي لتلك المهمة، وأول ما يعملون هو التفسير اللغوي قبل التفسير المنطقي، وهنا في إشكالنا هذا لا يمكن تفسير ما ورد في المادة 38 بأنه "مراجعة دستورية" يقول نص المادة: "لرئيس الجمهورية أن يستشير الشعب عن طريق الاستفتاء في كل قضية ذات أهمية وطنية"
هذه المادة تتيح حقا مبدئيا لرئيس الجمهورية باستشارة الشعب عن طريق الاستفتاء، وقد تم إقرار هذا الحق في معرض صلاحيات رئيس الجمهورية في الباب الثاني من الدستور "السلطة التنفيذية".
لكن مواد الباب الحادي عشر المتعلقة بمراجعة الدستور فسرت الغموض الذي يكتنف هذه المادة بخصوص دخول المراجعة الدستورية فيها، وأوضح المشرع الدستوري ـ من خلال القيود التي وضعها ـ مراده منها.
ومعلوم لدى أهل الاختصاص أن تفسير المشرع مقدم على غيره من التفسيرات القضائية والفقهية.
لم يعط الدستور في المادة 99 حق مراجعة الدستور عن طريق الاستفتاء لرئيس الجمهورية حصرا، بل أشرك معه البرلمان، ويفهم من هذا أن مقصد المشرع هو تمكين رئيس الجمهورية من استشارة الشعب فيما عدى مراجعة الدستور بإطلاقية، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمراجعة الدستورية فإنه يقيده، لأن ـ ومن منظور منطقي ـ عملية المراجعة لا يمكن أن تكون مثل عرض قانون تشريعي أو نظامي.
وتجسيدا لمبدأ توازن السلطات فقد حدد لمبادرة المراجعة الدستورية جهتين: تنفيذية (رئيس الجمهورية) وتشريعية (1/3 من اعضاء إحدى الغرفتين)، وهنا يجب أن يستحضر المفسر أن فلسفة النظام الرئاسي بتقوية مؤسسة رئيس الجمهورية ليس هدفها تغولها أو شططها، بل لجعل النظام السياسي مستقرا، لا أكثر، وعليه فلا يمكن القول بإطلاقية سلطة رئيس الجمهورية في مواجهة السلطة التشريعية.
ولما كانت التعديلات المقترحة تمس جوهريا مبدأ توازن السلطات (إلغاء مجلس الشيوخ الذي لا يمكن لرئيس الجمهورية حله، إلغاء محكمة العدل السامية والعهد لمحاكم عادية بمتابعة رئيس الجمهورية) وجب على الخبراء التنبه لهذا الموضوع وعدم إطلاق تفسيرات من شأنها تقويض النظام السياسي الديمقراطي الذي يشكل توازن السلطات ركنا منيعا فيه.
إذا كانت المادة 38 تتعلق بالمراجعة الدستورية فلماذا لم ينص عليها المشرع صراحة؟
ولماذا أخر النص على المراجعة الدستورية حتى المادة 99 وما بعدها؟
أليس التفسير اللغوي أولى بالركون إليه قبل اللجوء للتفسير المنطقي؟
هل كان في خلفية المشرع تمييز لمبادرات المراجعة الدستورية الخاصة برئيس الجمهورية عن تلك التي تخص أعضاء البرلمان كما هو الحال في مبادرات القوانين التشريعية (مشروع القانون ومقترح القانون)؟
فلماذا، إذن، نص على أنه: "لا يصادق على مشروع مراجعة إلا إذا صوت عليه ثلثا (3/2) أعضاء الجمعية الوطنية وثلثا (3/2) أعضاء مجلس الشيوخ ليتسنى تقديمه للاستفتاء. المادة 99 / الفقرة 3
أليس الأولى إعمال المواد المتعلقة بمراجعة الدستور فيما يتعلق بمراجعة الدستور بدلا من إعمال مادة عامة تدخل في باب صلاحيات رئيس الجمهورية؟
أخشى أن يتحول هذا التفسير لتبرير الطغيان!
نواكشوط 26 مارس 2017

اجمعوا أوهامكم وانصرفوا..

تعليقا على بيان "الرأي السياسي"
تستوقف العبارات التي صيغ بها بيان هذه المجموعة التي لا نراها، ولكن يمكن شم رائحة العفونة من بيانها الذي أصدرته.

إنها عبارات تصدر عن "ثقافة غذائية" بامتياز، ثقافة المردودية النفعية (لاحظوا عبارة منتجة في أول سطر)، عندها لا يبذل المرء مجهودا أكبر في سماع صدى تلك الثقافة التافهة التي همزت هذه الشياطين في أيامنا القائظة هذه.
في جو سياسي متأزم (حيث ينتعش مثل هؤلاء ) يتميز بفشل المبادرات السياسية لاحتواء الأزمة وتعنت السلطة لإقامة انتخابات رئاسية تفتقد أبسط عناصر المصداقية والثقة يتسلل هؤلاء من الهامش ليلقوا بأوهامهم على السطح.
طبعا لن أستطرد في السلبية التي يحملها هذا البيان بقدر ما سأعرض مجموعة من الاستنتاجات السريعة التي توصلت لها من خلال قراءتي للبيان:
1. يعتبر البيان استجداء مريعا للسلطة، بشكل غير مشرف لاستدرار عطفها وحنانها، وتعبيرا عن حب من جانب واحد (إننا نعتبر أنفسنا جزْءا من النظام، وإن تَبَدَّى لنا - شيئا فشيئا - أن هذا الفهم إنما هو من جانب واحد، هو جانبنا. ولذلك نرى أن من واجبنا المشاركةَ، ولو بكلمة، فى الحيلولة دون بَتْر الأمل وضَيَاع المشروع.) وعلى هذا يكون البيان محاولة يائسة لإنقاذ هذا الحب المستحيل!!.
2. يعتبر البيان أن هناك ضبابية في المجال السياسي الوطني، وحق لأصحابه ذلك، فمن يتجاوزه الزمن يضعف نظره وربما بصيرته، المجال السياسي بالنسبة لنا يشهد فصلا جديدا بين قوى النور وقوى الظلام، قوى التقدم وقوى الرجعية، قوى الإصلاح وقوى الفساد، ولا مجال فيه لقوى تتسول على الجانبين.
3. يبشر البيان بانقلاب على السلطة فقط لأنها تتجاوز القوى الداعمة لها، لا لأنها فشلت في رفع التحديات التي تواجه شعبنا، وفي مقدمتها القضية الديمقراطية ـ التي كان هذا التيار دائما ما يعمل بطريقة ما ضدها ـ إضافة إلى التحديات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، والأوضاع المعيشية.
4. ينتقد البيان المعارضة والسلطة ظاهريا، لكنه يحكم على المعارضة بالفشل النهائي، بينما ينذر السلطة وكأنه يعلن انتماءه ومطالبه بشكل غير مباشر: نحن مع السلطة وضد المعارضة، ولكن في وجه الموسم الانتخابي عليكم أن تمنحونا شيئا من الكعكة وإلا..
5. إلا ماذا؟ بغض النظر عن حجم هذا التيار وتأثيره الذي لا يرى بالعين المجردة ولا العين الفاحصة، فإنه لا يتورع عن تهديد النظام بسبب أنهم لم يروا " أيَّ صيغة - مهما كانت بدائيتُها - للعمل السياسي وإشراك الأصدقاء والمخلصين في الرأي والقرارات السياسة" الأصدقاء والمخلصون: هم التيار السياسي!!
6. يغازل البيان المؤسسة العسكرية ولا يجد غضاضة في امتداح تدخلاتها المستمرة في الشأن السياسي، في الوقت الذي تجهد فيه غالبية القوى السياسية إلى إلزام هذه المؤسسة دورها الدستوري والطبيعي في أي دولة مدنية ديمقراطية.
7. يلجأ التيار المذكور إلى "بعبع" مرد على استعماله في استمالة الأنظمة إليه، محذرا من فتنة عرقية دأب على ابتزاز الأنظمة المتعاقبة بها، وقمع الجماهير عن المطالبة بحقوقها بهذا البعبع.
إنها ذات الرؤية العتيقة التي لا تتجدد والتي أخرت التقاء هذه الجماهير وتأخرها عن الانطلاق.
8. يحطم هذا التيار أي أمل في التغيير إلا عبر "المجهول" الذي يعشش في خيالاته، في حين ينتقد على المعارضة انشغالها بمطالب غير "واقعية" وهذا هو التناقض.
9. أي عجز يمكن أن يحدث فوق التسليم لـ "المجهول" وتفسير الأمور حسب منطقه؟
10. حين أراد أن يمثل هذا التيار المعاتب لحبيبته السلطة لـ "المجهول" الذي يخوفها به ضرب مثلا: بن علي والثورة عليه، فهل يتوقع هذا التيار ثورة شعبية على النظام؟ وإذا كان الأمر كذلك فأين يصطف هذا التيار: مع السلطة ضد هذه الثورة "المجهول" أم معها؟ نريد فقط أن نعرف لماذا يحرص التيار على نصح النظام قبل أن يداهمه "المجهول".
11. أوافق على توصيف التيار لهذه الانتخابات إلى حد ما، فهذه الانتخابات ستقضي على آمال كثيرة لبعض المتعلقين بالأنظمة والطامعين في قصعتها، لكنها ستفتح آمالا جديدة في التطلع لتغيير جذري ينهي الأنظمة المهترئة التي دعمها هذا التيار منذ 1979 .
12. حديث التيار عن الأمل مستفز حقا، فعرابو الانقلابات هؤلاء، الذين كانوا دائما في وجه الأمل بدعمهم ورعايتهم للانقلابات المجهولة والمعلومة، "لا نعطيهم الخطمة" في الحديث عن الأمل، كما لا نعطي رأس النظام هذا الامتياز، فالأمل كلمة عظيمة تحتاج لتصديقها إلى بذل جهد لمنحه لهذا الشعب العظيم.
لن تحطموا آمالنا بأقوالكم كما لن يحطمها النظام الذي تتضرعون إليه ليشرككم في كعكته بأفعاله، أو ردات فعله، فالأمل الذي ينبعث من نفوس آلاف الشباب الموريتاني عصي على المتاجرة به، منيع على التحلل.
لهذه الملاحظات وغيرها أطلب منكم أن تجمعوا أوهامكم وتنصرفوا عن مشهدنا، وتبحثوا عن تابوت مناسب لـ"رأيكم السياسي" .
27 ابريل 2017

الحذاء الثائر (2)

"لِلْبَاطِلِ صَوْلَةٌ، وَلِلْحَق دَوْلَةٌ" أثر عربي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد ذرف المتباكون على "هيبة الدولة" كل دموعهم الموهومة..
وانتشواـ بمجون ـ بحبس الشيخ باي كل هذه المدة..
وذاقوا طعم "العدل"؛ فهنيئا لهم..!
لقد انتصرت "هيبة الدولة"..
وأظهرت عجائب قدرتها في رامي الحذاء..
أوقفت طوفان الفوضى.. وسدت فجوات الحاجة، وقضت على سوس الفساد..!
لقد أدخل هذا السجن بلادنا مجلس الأمن الدولي بمقعد دائم..
وصارت مجموعة الدول الاقتصادية الكبرى تختصر بـ G9  بعد انضمام بلادنا لها..
لقد أنهينا مشكل الصحراء، وأزواد، وكازامانس..
أخذنا بيد مالي والسنغال إلى التنمية بإقامة عشرات المشاريع العملاقة فيهم..
قضينا ـ أيضا ـ على بطالة الشباب (أو ليس سجن الشباب مكافحة للبطالة؟!)
لقد امحت الأمية عن 50% من الموريتانيين عندما بلغ الشيخ باي شهره الثالث في السجن، واستقر مستشفيان عملاقان في قلب الترحيل بمجرد قضائه شهره الرابع..!
وأصبح  ـ في اليوم رقم 150 ـ مكتوبا على جبهة كل مختلس كلمة "مفسد" وصار الناس يتساءلون: كيف لم نسجن الشيخ باي من زمن بعيد؟!!
هذه "عدالتكم" يا لاعقي أحذية العسكر..!
أين كانت سجونكم عندما ضرب بدر ولد عبد العزيز النار على فتاة؟
أين كانت سجونكم عندما ضرب ولد اجيرب النار على مواطن في بقالة؟
أين كانت سجونكم عندما ضبط ابن مسغارو وبحوزته حشيش وخمور؟
وهل سأعد الحالات التي غابت فيها سجونكم عندما يقدم أبناء النافذين على جرائم؟!
وهل الشيخ باي يقارن بأولئك المجرمين؟!
إن حذاءه أشرف من كل أولئك الحثالة أبناء وأقارب جلادينا..
ولأنه مواطن لديه نبض، ويرفض الأكاذيب، والتبرير للعصابة الحاكمة ألقي به في السجون سبعة أشهر (ثلاثة سجون: دار النعيم، لكصر، ألاك) بينما لم يبت بدر ولد عد العزيز ليلة واحدة في مخافر التحقيق.. أووووه، لماذا أقارن "بدر" به مرة أخرى؟!!
7 أشهر.. ومأساة "هيبة الدولة" مستمرة..
7 أشهر.. وحذاء الشيخ باي يدك حصون "العدالة" المتهاوية في هذا البلد.
الحرية للشيخ باي
المجد للشعب
سيد ولد محمد الامين
30/01 / 2017

الحذاء الثائر: (1)

في المستهل، لا ضير من أن نتحدث قليلا عن أسلوب الاحتجاج بالحذاء، لمعرفة مدى أصالته، ورسوخه في منظومة الاحتجاج السلمي، ثم لنتحدث بعد ذلك عن أخلاقية الفعل الذي قام به المناضل الفبرايري الشيخ باي ولد الشيخ محمد، لأعود إن سنحت الفرصة في مقال لاحق للحديث عن جوانب أخرى متعلقة بموضوع حذاء 30 يونيو.
والآن سوف أستعرض بعضا من النماذج الاحتجاجية بواسطة الحذاء/الأحذية، لأنني لمست التدليس عند العديد ممن تحدث عن الموضوع من خلال المقارنة الوحيدة لحادثة مشابهة، وهي حادثة الزبيدي، ويعرضها بعض ممن يود تجريم احتجاج الشيخ باي ـ بمن فيهم القاضي الذي حكم عليه ذلك الحكم الجائر بـ 3 سنوات نافذةـ  ومكمن التدليس هو أنها الحادثة الوحيدة، وهي ـ والحقيقة كذلك ـ موجهة لغاصب محتل، بينما لا توجد حالة مشابهة هنا تستدعي تبرير ما فعل الشيخ باي!
والأمر يكون مقبولا لو لم تكن هناك عشرات حالات الاحتجاج بالحذاء على النحو التالي:
12  اكتوبر 1960: ضرب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي نيكيتا خروتشوف بفردة حذائه منصة مجلس الأمن الدولي احتجاجا على خطاب الرئيس الفلبيني الذي طالب بوقتها بتحرير دول أوروبا الشرقية من سيطرة الاتحاد السوفيتي.
14  ديسمبر 2008: الصحفي العراقي منتظر الزيدي يرمي فردة حذائه الأولى تجاه بوش الابن قائلا: هذه قبلة وداع من الشعب العراقي أيها الكلب، ثم يلقي بالثانية قائلا: وهذه من الأيتام والأرامل والأشخاص الذين قتلتهم في العراق.
2  فبراير 2009 وأثناء إلقاء رئيس الوزراء الصيني وين جياباو كلمة في جامعة كامبريدج البريطانية ألقى أحد المحتجين فردة حذائه عليه.
5  فبراير من نفس الشهر: لقي نفس المصير السفير الاسرائيلي بيني داجان أثناء محاضرة له في جامعة ستوكهولم.
7  ابريل من نفس العام: صحفي هندي سيخي يدعى جارنيل سينغ يلقي حذاء على وزير الداخلية الهندي تشيدا ميرام الذي انحنى لتفاديه، وقال مبتسما: اقتادوه بعيدا، الأمر لا يستحق!
أكتوبر 2009: طالب تركي يرشق رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس الذي كان يحاضر في جامعة اسطنبول، وهتف الطالب: يا صندوق النقد الدولي.. يا لص.. اخرج من تركيا "
1  ديسمبر 2009: منتظر الزيدي يتعرض للرشق بحذاء صحفي عراقي يدعى سيف الخياط، والزيدي طلب من الحرس عدم التعرض للصحفي!
22 فبراير 2010: وفي مدينة اشبيلية رشق سوري من أصل كردي رئيس الوزراء التركي أردوغان أثناء زيارة رسمية لاسبانيا.
في 2010 النائب الإخواني أشرف بدر الدين يخلع نعله محاولا ضرب نائب الحزب الوطني الحاكم في مصر نشأت القصاص بسبب تحامله على الإخوان.
في 2011 عاطل عن العمل يرشق الرئيس الإيراني أحمدي نجاد.
في 2012 أحمد العرموط أحد المتظاهرين الغاضبين يرشق الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح خلال مغادرته فندق ريتز كارلتون بنيويورك.
في 2012 وأثناء الحملة الانتخابية للرئاسيات في مصر المواطن المصري أحمد حازم يرمي المرشح الرئاسي أحمد شفيق بفردة حذاء قديمة.
فبراير 2013: الشاب السوري عز الدين الجسام يقذف الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بحذائه أثناء زيارته لمصر، هاتفا: قتلتم إخواننا!
مارس 2013 يرشق رجل الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف أمام محكمة كراتشي.
سبتمبر 2013 مجموعة من معارضي التقارب الايراني الامريكي ترشق الرئيس الايراني حسن روحاني.
اكتوبر من نفس العام: شاب سوداني يدعى أشرف زين العابدين يرمي نائب الرئيس السوداني نافع علي نافع بعد مقتل العشرات في تظاهرات مناهضة لرفع أسعار الوقود.
في 2013: أطلق حقوقيون تونسيون حملة مليون رشقة حذاء ضد وزيرة المرأة التونسية سهام بادي بعد حادثة اغتصاب بشعة، وتم رشقها أمام مقر عملها.
ابريل 2014 في فيغاس أليسون أرنست ترمي هيلاري كلينتون بحذائها.
ابريل 2014 ايضا: مفلح محاسنة المواطن الاردني يقذف حذاءه باتجاه رئيس الوزراء الأردني.
29  نوفمبر 2015: منظمة آفاز العالمية تنظم مظاهرة احتجاجية بمناسبة قمة المناخ في باريس بواسطة 22 ألف زوج حذاء بعد فرض فرنسا قانون الطوارئ، وبابا الفاتيكان يشارك بزوج من أحذيته في تلك التظاهرة.
 30  يونيو 2016: المناضل في حركة 25 فبراير الشيخ باي ولد الشيخ محمد يرمي الوزير الناطق باسم الحكومة بحذائه، ويهتف: الوزير الكذاب.. الوزير الكذاب.
..................................
هذه نماذج فقط أحصيتها ؛ تؤكد تكرس الاحتجاج بواسطة الأحذية في كل الدنيا، رغم الناعبين الذين أصموا بصراخهم تجريما وتقبيحا للفعل الاحتجاجي الشريف الذي قام به الشيخ باي.
بقي أن أذكر بأن بريطانيا اعترفت بحق التظاهر بالأحذية، وصنفته ضمن الاحتجاجات السلمية! 
بعد اتضحت الصورة ـ كما آمل ـ فظاهرة الاحتجاج بالأحذية ليست غريبة، ولا توجد منها حالة منتظر الزيدي وحدها لمقارنتها باحتجاج الشيخ باي مثلما وضحنا آنفا عبر استطراد 20 نموذجا، وبالتالي لم تكن تستوجب كل ذلك التشنيع والتجريم، فهي تدخل في إطار الاحتجاج السلمي المقاوم، فهي ليست عنيفة من ناحية لأنه يراد منها الرمزية، لا العدوان.
ومن ناحية أخرى، فهي مبررة أخلاقيا، بنفس تبرير الاحتجاج السلمي المقاوم نفسه، وأعتقد أن جدل شرعية وأخلاقية الاحتجاج السلمي المقاوم متجاوز.
وقد احتج "متثاقفون" خَيْمَهْلِيون* بأن فعل الشيخ باي غير أخلاقي لأنه "رمى من هو أكبر منه سنا بنعله"! والحقيقة أن هذا التبرير ينتمي للعذر الذي هو أقبح من ذنب، فمن غير اللائق أن يرخى العنان لمن هو أكبر سنا من الآخرين لفعل ما يحلو له دون اعتبار حق الاحتجاج عليه بأسلوب سلمي رمزي مقاوم لظلم وطغيان الحكومات والأنظمة المتسلطة مثل النظام الذي ينتمي له محمد الامين ولد الشيخ، ولي عودة ـ بإذن الله ـ لموضوع دوافع الرمي بالحذاء.
وهناك من أُخِذَ بنظرية توقير المسؤولين الحكوميين كالوزراء وغيرهم، واعتبر أن المساس بهيبتهم مساس بهيبة الدولة، وفي الحقيقة على هؤلاء ان يتعلموا أولا التمييز بين الدولة والنظام، ثم بعد ذلك نسمع منهم محاضرات عن المساس بهيبة الدولة التي تتجسد في رموز ثابتة نسبيا، لا شخوص زائلة ومتغيرة حسب المزاج، والرأي، وحتى الريح!
وللأسف عندما ذرف هؤلاء دموع التماسيح على "هيبة الدولة" من منظورهم، لم نسمع لهم حسيسا عندما يهان الإنسان ويظلم على هذه الأرض يوميا، في الإدارات، والشوارع، في المستشفيات، والأحياء المهمشة، والقرى النائية حيث لا مظهر لوجود دولة، وإنما نظام غاب يسحق فيه المتحكم القوي المقهور الضعيف.
لقد فرض حذاء الشيخ باي الثائر الالتفات لفرض الإحساس بهيبة الإنسان وحقه في انتظار ان تفرض هيبته أعمال نضالية أخرى.
سيد ولد محمد الامين
نواكشوط، 18 أغشت 2016
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* خَيْمَهْلِيون: نسبة إلى المتفاخرين بـ "خيمة أهلي"

نحو إطفاء بريق الكرسي (1)

“السلطة المركزة دائما كانت عدو الحرية.”
رونالد ريغان ـ رئيس أمريكي
يمكن اختصار التاريخ السياسي البشري في الصراع بين السلطة والحرية؛ فحيث ما أجلنا النظر في الصراعات عبر التاريخ فسوف نجد متسلطين يريدون فرض هيمنتهم
بواسطة القوة، أو الله، أو المال، أو العرق..إلخ، في مواجهة طامحين للتعبير عن أنفسهم ورافضين للخضوع إلى تلك السلطة أيا كان نوعها.
ولقد كان التحدي دائما في هذا الصراع هو خلق التوازن بين السلطة والحرية، السلطة التي تفرض النظام، والحرية التي تؤكد الوجه الآخر للنظام.
أما عندما تتجاوز السلطة حدودها المعقولة فنكون أمام التسلط، وعندما تتجاوز الحرية تلك الدوائر تصبح فوضى.. وبين تلك الحالة والأخرى بحث الفكر السياسي الإنساني عن أنجع السبل لإيجاد صيغ للحكم تحول دونهما.
وقد عرف الفكر السياسي الإنساني تطورا مهما منذ القرن الثامن عشر حيث عبَرت أفكار عصر التنوير وتطبيقاتها بالبشرية أزمة التوفيق بين التسلط والفوضوية، وبرز المبدأ الخالد: فصل السلطات الذي فتت السلطة المتركزة بيد شخص واحد (الملك) إلى عدة مراكز قوى لكي “تقف السلطة في وجه السلطة”.
إلا أن التخوف من عودة الطغيان والتسلط أدخل المتشددين في تطبيق هذا المبدأ في مآزق أخرى ـ خصوصا في فرنسا ـ حيث تم التخلي عن الفصل الجامد بين السلطات، وتم الاستعاضة عنه في ظل نظام الجمهورية الخامسة ـ التي جاء دستورها لتلبية احتياجات سياسية واقتصادية لفرنسا ـ بتداخل السلطات، المفهوم الذي أعطى رئيس الجمهورية صلاحيات موسعة (ظرفيا فقط، لأنه تم تعديل تلك الصلاحيات لاحقا) للعبور بالأمة الفرنسية إلى بر آمن في مواجهة القلاقل السياسية والضعف الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية.
وهكذا فإن صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور المذكور أصبحت تشمل اختصاصات تتجاوز السلطة التنفيذية لتطال مختلف أنواع الصلاحيات تقوية لتلك المؤسسة التي استدعت الظروف أن تكون الأقوى في أمة تجاوزت عقدة التسلط وأمنت درب الحرية.
وفي نهاية الثمانينيات عندما ضغط على النظام العسكري في موريتانيا لتبني الديمقراطية، استشارت الطغمة الحاكمة وقتها كلابها المثقفة، واهتدت تلك الكلاب إلى استنساخ دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة قبل تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وتوسيع صلاحيات الوزير الأول، وهو الدستور الذي خدم مطامع واحد من أطول الدكتاتوريين حكما للبلاد، فتم إقراره والعمل به شكليا لتشريع تسلط الحاكم الموريتاني على شعب مسالم طيلة 14 سنة تم تنظيم 3 انتخابات فيها وكانت ستكون هناك رابعة وخامسة لولا الانقلاب عليه في 2005.
رغم التعديل الذي أجري على هذا الدستور بتقليص مدة المأموريات من 6 إلى 5 سنوات، وبتحديدها بمأموريتين يقسم رئيس الجمهورية على عدم تعديل تلك المواد أو دعم تعديلها، إلا أن الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية في الدستور الموريتاني المقتبس لم تعدل وبقيت على حالها.
تم ذكر رئيس الجمهورية في الدستور الموريتاني 48 مرة
هو حامي الدستور..
ضامن السير المضطرد والمنتظم للسلطات العمومية..
وهو ضامن الاستقلال الوطني..
يمارس السلطة التنفيذية ويترأس مجلس الوزراء..
يعين في الوظائف السامية المدنية والعسكرية ..
يعين الوزير الأول ويقيله..
يمارس معه السلطة التنظيمية..
يعين الوزراء ويقيلهم..
هو القائد الأعلى للقوات المسلحة..
يترأس المجالس العليا للدفاع والأمن..
يحدد السياسة الخارجية للأمة وسياستها الدفاعية والأمنية ويسهر على تطبيقها..
يترأس المجلس الأعلى للقضاء..
يعين السفراء والمبعوثين الدبلوماسيين ويعتمد السفراء لديه..
يحل البرلمان..
يصدر القوانين والمراسيم..
يعلن حالة الطوارئ..
يعلن الحرب والسلام..
إنه الدولة.
لقد مثلت عبارة Je suis la France التي أطلقها لويس الرابع عشر رمزا للطغيان والاستبداد التي تميز به ملوك القرون السحيقة، واليوم في موريتانيا لو كان الدستور ناطقا لأشار إلى رئيس الجمهورية وقالها صارخا: إنه الدولة..!!
واليوم يستغرب البعض من محاولات رأس النظام القائم لتعديل الدستور مع أنه أدى قسما دستوريا..
إنه ليس منصبا عاديا بكل هذه الصلاحيات، إنه كرسي ملك متسلط وإن اتخذ اسما آخر.
إن أولى معارك الديمقراطية الموريتانية من وجهة نظري تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية حتى تكون بشرية أكثر، فلا يمكن أن يعف عن ممارسة كل هذه السلطوية بشر عادي.

"الأنا" الموريتانية

يصعب على "الأنا " الموريتانية الانتباه للآخرين إلا بدلالتها عليها؛ أي أن الآخرين غير موجودين إلا ـ ربما ـ بسبب وجود "الأنا" الموريتانية..!!
"الأنا " الموريتانية يصعب عليها ـ تماما كخرط القتاد ـ الانخراط في بنية لم تؤسسها مهما بلغت درجة "تماهيها" معها لأن طبيعتها "شخصية" حد التوهم، ومنافية لـ "المؤسسية" حد الموت..!!
"الأنا " الموريتانية ـ مع ذلك ـ سريعة الذوبان، كما أنها سريعة التبخر، هي "متحللة" أصلا، وتمظهراتها "ديكورية" بالأساس..!!
"الأنا " الموريتانية تلغي الوجود فقط لتثبت أنها "موجودة".. تنفي الأخلاق لتثبت أنها "أخلاقية".. تصبح "عنصرية" لأنها ترفض العنصرية، وتصبح "فاسدة" أكثر من طماطم في شمس استوائية لتحارب الفساد.. 
تقارع القبلية في جانب منها، لكنها "قبلية" في صميمها..
تلبس مسوح التصوف والورع، لكنها عند أول اختبار "عملي" تصبح أكثر جشعا من مُرابٍ يهودي..
تتدثر بشعارات دينية، لكن لتخفي فقط الفحش الذي يستوطن سويداءها..!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الأنا " الموريتانية مكانها الطبيعي مشفى الأمراض النفسية.